حيدر حب الله

290

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

وسوف نلاحظ بوضوح عند التعرّض لمقولة « السنّة فقط » أنّ التيار الأصولي قد ركّز على استخدام مفاتيح عقلانية في إعادة تكوين مرجعية النص القرآني ، في مؤشّر واضح على منهج متكامل في الوعي الأصولي . ثانيا : سعت الحركة المناهضة للأخباريّة للتخفيف من هول الخطوة التي ظهرت مع العلامة الحلّي ( 726 ه ) ، فقد حاولت تسليط الضوء بقدر معين على أنّ تجربة العلامة لم تحدث شرخا مخيفا في النتائج العلمية النهائية على صعيد علمي الكلام والفقه ، وهذا ما لاحظناه عند مدرسة العلامة نفسها حتى بمظاهرها المتشدّدة ، حيث كان لبعض المقولات دور المهدئ الذي يحول دون الخروج بمعطيات بالغة الشذوذ نسبة للرأي العلمي العام ، من هنا تعزّزت في الوعي الأصولي أكثر من ذي قبل فكرة المشهور ، ومعنى أكثر من ذي قبل أنها تحوّلت - كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى - إلى نظرية ذات معالم مدروسة بعناية أكثر من السابق التقفها الدرس الأصولي وأعمل فيها معاييره الدقيقة . كانت هذه النظريات المساندة ذات بعد نفسي أيضا ، إلى جانب بعدها العلمي ، فقد هوّل التيار الأخباري على خصومه باستخدام التنويع الجديد للحديث حينما أوحى - كما تقدّم - أنّه سيفضي إلى ضياع الدين وهدر الموروث الحديثي الشيعي ، وكان هذا الهاجس يسكن تلقائيا الأصولي كما سكن أنصار مدرسة العلامة ما قبل الأخبارية ، فكان من الطبيعي التركيز على المقولات التي تحول دون حدوث هذا الأمر من قبيل الإجماع المحصّل والمنقول والشهرة الفتوائية ونظريتي الجبر والوهن ، وما شابه ذلك . ولمّا استقلّ الموقف الأصولي ، وانتهت ملاحقات الحقبة الأخبارية مع الشيخ الأنصاري ( 1281 ه ) ، لاحظنا كيف سلّطت معاول الهدم على هذه النظريات ، فأطيح بالإجماع المنقول وبالشهرة الفتوائية و . . . لكنها ظلّت حاضرة مع ذلك في الوعي الفقهي للفقيه الأصولي ، وبحسب رأي الشهيد محمد باقر الصدر « 1 » ( 1400 ه ) فإنّ العقل الأصولي استبدل هذه المعايير النظرية المنهارة بمعايير من نوع آخر انطلاقا - حسب رأي الصدر - من دوافع نفسيّة ، أي ما أشرنا إليه من خطر انبثاق نتائج مستهجنة ، وإحداث شرخ يمزّق سكون النتاج الفقهي على مستوى النتائج ، فظهرت مقولة السيرة العقلائية والمتشرعية معايير جديدة في الاجتهاد ، لم تكن موظّفة من قبل ، لا أقلّ في الوعي الفقهي دون اللاوعي ، وسيأتي مزيد توضيح لهذه الفكرة . ورغم ذلك كلّه ، تواصل المنحى النقدي للسند في المدرسة الأصولية ، ليبلغ ذروته مع مدرسة السيد أبي القاسم الخوئي ( 1413 ه ) حيث رفض نظريات كثيرة أصولية ورجالية كانت معينا للحيلولة دون حدوث الشرخ المخيف من نوع الجبر والوهن ، ونظرية الإجماع المنقول ، والشهرة الفتوائية ، ومراسيل الصدوق وابن أبي عمير وصفوان والبزنطي ،

--> ( 1 ) - محمد باقر الصدر ، مباحث الأصول 2 : 93 - 97 و 131 - 134 .